كنتُ قد بلَغتُ الأربعين مِن عمري ولا أزال عزباء، لأنّ الوقت مرَّ مِن دون أن أنتبِه إلى الأمر، بسبب انشغالي بأمّي وحالتها الصحّيّة الهشّة وتأنيبها لضميري كلّما أبدَيتُ الرغبة بالزواج وبناء عائلة. هي ربّتني، وربّما أنجبَتني، لأبقى معها لآخِر أيّامها كالكثيرات مِن الأمّهات النرجسيّات، فاستحالَ عليّ الانشقاق عنها. لكن لكلّ شيء نهاية، وعلى الإنسان أن يُغادِر هذه الدنيا يومًا، فقد ماتَت والدتي بعد أن أخذَت معها أفضل أيّامي. ورِثتُ البيت الأبويّ، بعد أن شعَرَ أخوَتي أنّ عليهم مُكافأتي على تضحياتي التي أراحَتهم وخوّلَتهم تحقيق أحلامهم، وبقيتُ أذهب إلى عمَلي الذي كان لسنوات طويلة مُتنفّسي الوحيد.
وبعد أشهر على وفاة أمّي، أقنعَني زملائي أنّ الوقت حان لأعيشَ حياتي وأقَع في الغرام وأتزوّج، ومَن يدري، أُنجِب في الوقت التي تبقّى لأنوثتي. بدَت لي الفكرة صعبة للغاية، إذ أنّني لَم أحِبّ أو أواعِد أحَدًا في حياتي، وكلّ ما كنتُ أعرفُه عن هذه الأمور كان صادِرًا عن الأفلام التي شاهدتُها أو القصص التي سمِعتُ بها أو قرأتُها.
وذات يوم، أخبرَتني إحدى زميلاتي في العمَل أنّها سجَّلتني على احدى تلك المواقع للتعارف بعد أن أخذَت لي صورة مِن دون أن أدري، وروَت لي عن تجارِب ناجِحة لأناس تعرفُهم وجَدوا نصفهم الآخَر بهذه الطريقة. لَم يُعجِبني الأمر في البدء، لكن يومًا بعد يوم، بدأتُ أقتنِع بالفكرة، خاصّة بعدما بدأَت الرسائل تأتي إليّ مِن قِبَل رجال أبدوا رغبتهم بالتعرّف إليّ.
تبادَلتُ الرسائل مع المُعجبين لكن ما مِن أحَد استقطَبَ حقًّا إعجابي، فلَم أعُد أكترِث للأمر بعد أن فهِمتُ أنّ مُعظمهم لا يريدُ سوى اللهو معي وبطريقة غير شريفة. إلّا أنّ أحدَهم استطاعَ تغيير رأيي بفضل تهذيبه وكلامه الجميل وصراحته. كان اسمه مالِك، رجُل في الخمسين مِن العمر، مُطلّق يعيشُ لوحده منذ زمَن ويعمَل كمُدير فرع لأحَد البنوك. كان يبحث عن رفيقة وحبيبة، ولا يُمانِع أن يكون له أولاد جُدد بعد أن كبرَ أولاده وسافروا بعيدًا. بدأنا نتبادَل الأفكار والميول والمُتطلّعات، فسألتُه لماذا هو مُهتمّ بامرأة في الأربعين مِن عمرها، بينما يستطيع التعرّف على أصغَر منّي بكثير بفضل مواصفاته ومركزه، إلّا أنّه أجابَ: "قلبي هو الذي اختارَكِ، وليس مِن عادتي أن أُجادِله".
تزوّجنا بعد فترة قصيرة، فمِن جانبي خفتُ أن يُبدّل مالِك رأيه ويجِد سوايَ، ومِن جانبه، هو رأى أنّ سنّه وخبرته في الحياة كافيَين ليتخِّذ قراره. سكنّا في بيتي لأنّني وجدتُ صعوبة بالرحيل مِن مكان ولِدتُ وكبرتُ وعشتُ فيه، وأمِلتُ أن أُبدِّل ذكريات الطغيان والقساوة بأخرى مليئة بالحبّ والأمل. على كلّ الأحوال، مسكَن مالِك كان بالإيجار ولا معنى بالعَيش فيه وترك آخَر بالمُلك.
ذقتُ أخيرًا طعم السعادة وخطّطتُ منذ البدء للإنجاب. فكما ذكرتُ لَم يكن لدَيّ رفاهيّة الانتظار، وأمِلتُ وزوجي أن ننجَح في مشروعنا. إلّا أنّ مُحاولاتنا باءَت بالفشل للأسف، ولَم يتبقَّ لي سوى المُعالجة والتلقيح. إلّا أنّ مالِك لَم يكن مُرتاحًا لهذا الحلّ، فبنظره وحده الله يُقرِّر إن كان علينا أن نُرزَق بطفل، لكنّني أجبتُه مرّات عديدة أنّ الله هو مَن أعطانا القدرة على ابتكار حلول علميّة، فالأمر سيّان.
لَم أترُك عمَلي، مع أنّ زوجي كان مُقتدِرًا، لأنّني لَم أشأ المكوث في البيت لوحدي طوال اليوم ما دمتُ لَم أُنجِب بعد، فلَم تتغيّر حياتي كثيرًا سوى أنّني صرتُ أتقاسمُها مع إنسان مُحِبّ ولطيف.
... لكن ليس لوقت طويل.
فالحقيقة أنّني لاحظتُ أنّ زوجي لَم يكن يصطحبُني معه إلى أيّة مُناسبة اجتماعيّة. في ما يتعلّق بأصدقائه، كان الأمر وكأنّ هناك فاصِل بيني وبينهم، ولَم أتعرّف إلى القليل مِن هؤلاء سوى في يوم زفافنا الصغير. سألتُه عن الأمر فأجاب:
ـ في الواقع... أنا أغارُ عليكِ كثيرًا وأُريدُكِ لنفسي فقط.
ـ شكرًا على الإطراء يا حبيبي... لكن أفضِّل أن تثِق بي أكثر وتُدخِلني حلقات عملكَ وأصدقائكَ، فأنا أشعر وكأنّكَ تضعُني جانبًا ربّما لأنّكَ...
ـ لا تُكملي! فلا أُريدُ سماع كلام فارِغ. فأنتِ تتخايَلين أمورًا ليست موجودة على الاطلاق! لنُقفِل الموضوع!
ـ حسنًا يا حبيبي.
لَم أكن تعيسة مع مالِك، لكنّني لَم أكن أيضًا سعيدة، فلقد تخيّلتُ الحياة الزوجيّة بشكل مُختلِف. أقنَعتُ نفسي أنّ تطلّعاتي كان مصدرها مِن الأفلام والقصص وأنّ الحقيقة هي ما أعيشُه بالفعل. فزوجي كان رجُلًا هادئًا وسهل المزاج، على عكس المرحومة أمّي، وذلك كان كافيًا لي. لكن لماذا كنتُ أشعرُ بالوحدة بينما صارَ لي زوج، إنسان يُشاركُني حياتي وينامُ في سريري ليلًا؟ ربّما سبب ذلك الشعور هو رغبتي بالإنجاب، وهي رغبة مُلِحّة ظننتُها ستُعطيني ما ينقصُني. كان يجب أن أُحاوِل التلقيح، لكنّ زوجي كان يرفضُ ذلك ولَم أرِد تدمير علاقتنا والعَيش لوحدي في بيت كبير عليّ.
مرَّت حوالي السنة على هذا النحو، وبدأتُ أذبُل كالوردة التي نسِيَ أحدٌ أن يسقيها، وبقيَ مالِك على حاله يذهب إلى عمَله ويرى أصدقاءه ليعود إلى البيت في المساء ويأكل ما حضّرتُه له، ونتبادَل الكلام السطحيّ ثمّ نخلُد للنوم. حياتنا الحميمة كانت فاتِرة مِن الجهتَين. عذري كان أنّني لَم أختبِر تلك الأمور مِن قَبل، لكن ما كان عذره هو؟ زميلاتي في العمَل كنّ تروَينَ دائمًا عن علاقتهنّ الحميمة مع أزواجهنّ المليئة بالإثارة، وكيف أنّ رجالهنّ كانوا دائميّ الالحاح للحصول على ما يُريدونه... لماذا لَم يكن مالِك هكذا؟ لماذا تزوّجَني إن لَم يرغَب فيّ؟
حصَلتُ على الجواب بسرعة:
فذات مساء، عادَ مالِك إلى البيت بعد أن قرَعَ الباب على غير عادته، فهو يستعملُ دائمًا مُفتاحه. فتحتُ له وإذ بي أراه حامِلًا في ذارعَيه ولَدًا صغيرًا عمره يُقارِب السنتَين. تفاجأتُ كثيرًا وسألتُه مَن يكون الطفل، فأجابَ وهو يدخُل معه:
ـ إنّه هديّتي لكِ... إبن جاهز... مِن دون تلقيح وحَمل وولادة.
ـ لَم أفهَم... هديّة؟ مَن هو الطفل أو بالأحرى مِمّن هو، يا مالِك؟
ـ إنّه ابني.
ـ ماذا؟!؟ حسبتُ أنّ أولادكَ راشدون ومُسافرون.
ـ صحيح ذلك، لكن هذا ابني مِن زواجي الثاني.
ـ لَم تقُل لي إنّكَ تزوّجتَ مرّتَين!
ـ لأنّ الأمر ليس مُهمًّا.
ـ بلى، على الأقلّ بالنسبة لي! كيف تخفي زواجًا عنّي؟!؟
ـ سأخبرُكِ القصّة كامِلة قريبًا جدًّا. ألستِ سعيدة بابنكِ الجديد؟
ـ هو ليس ابني، بل ابنكَ!!! خذه مِن هنا في الحال!
وقبَل أن أُكمِل، وضعَه مالِك بين ذراعَيّ، فأزَحتُ الطفل عنّي لكنّه بدأ بالبكاء مِن كثرة خوفه. ومِن دون أن أنتبِه، عانَقتُ الصغير وبدأتُ أواسيه ليهدأ مُعتذِرةً منه على إخافته. هدأ الصغير، وبدأَت عيناه تثقل ونامَ بين ذراعَيّ. نظرتُ إلى زوجي فرأيتُه يبتسِم، ليس لجمال المشهد، بل لأنّه، كعادته، حصَلَ على ما أرادَه.
وبعد أن وضعتُ الصغير في سرير إحدى الغرَف، عدتُ لأُكمِل حديثي مع زوجي، إلّا أنّني وجدتُه نائمًا هو الآخَر، أو بالأحرى يدّعي النوم. دخلتُ السرير إلى جانبه وبدأتُ أُحدِّق في السقف، وأنا أُفكِّر في الذي حدَث، ثمّ نمتُ بدوري عازمةً على إنهاء تلك المهزلة في الصباح. لكنّني استيقظتُ في وسط الليل على صوت الطفل الذي شعَرَ بالوحدة في مكان غريب، فأكملتُ الليلة إلى جانبه.
كنتُ قد صرتُ، مِن دون أن أعلَم، أمًّا.
قد يظنّ القارئ أنّ قصّتي انتهَت وأنّ نهايتها سعيدة، بعد أن وجدتُ أخيرًا ما كنتُ بحاجة إليه، لكنّ الحياة ليست كما في الأفلام والقصص، وزوجي لَم يكن فارِسًا شهمًا بل رجُلًا كاذِبًا ومُحتالًا واستغلاليًّا.
الجزء الثاني ⏬⏬
عزمتُ أن أسأل زوجي مالِك في الصباح عن مسألة الولَد الذي جاء به إلى بيتنا، فانتظرتُ أن يصحى لأقولَ له:
ـ أريدُ أن أعرِف الآن ما يدورُ في بيتي!!!
ـ إهدئي يا حبيبتي، الأمر أبسَط مِمّا تتصوّرين. إنّه ابني مِن زواجي الثاني، ولَم أخبركِ عن ذلك الزواج خوفًا مِن أن ترفضي الارتباط بي وتظنّي أنّني عريس غير جدّيّ.
ـ أين أمّه؟!؟
ـ توفّيَت، المسكينة.
ـ متى؟
ـ منذ فترة قصيرة.
ـ وأين كان الولَد حتّى الآن؟ مع مَن؟ ولِما أتَيتَ به البارحة؟ وماذا تنوي فعله به؟
ـ مهلًا مهلًا! لا تُكثِري الأسئلة! أتريدين الولَد أم لا؟
ـ لستُ أدري... سأُعطيكَ جوابًا بعد بضعة أيّام.
لَم أعطِه جوابًا في الحال، لكنّ شيئًا في داخلي قالَ لي إنّ الله قد أعطاني على الأرجح فرصة لأصبَح أمًّا، لكن بطريقة غير تقليديّة. بقيَ عليّ معرفة إن كنتُ سأتقبَّل ابن امرأة أخرى مِن زواج لَم اسمَع به مِن قَبل. كان يجدرُ بي طبعًا أن أبحَث أكثر في ماضي مالِك، بعد أن تبيّنَ لي أنّه ليس إنسانًا شفّافًا كما تصوّرت. إلّا أنّه كان قويّ الشخصيّة، على خلافي، فلا تنسوا أنّني نتيجة تربية امرأة نرجسيّة درّبَتني على الاطاعة والتقبّل.
أخذتُ إجازة مِن عمَلي وقرّرتُ المُحاولة. إعتنَيتُ بالولَد الذي اسمه زين، وحاوَلتُ طمأنَته مِن جهتي باللهو معه ومُشاهدة الأفلام المُخصِّصة للأولاد، وتحضير الأكل اللذيذ له. خطَرَ ببالي أنّ زوجي كان على حقّ، فكنتُ قد تفادَيتُ متاعب العلاج والحَمل والولادة، عناء لَم أكن أرفضُه، بل أخافُ منه.
مرَّ أسبوعان شعرتُ خلالهما بالفرَح التام، إذ أنّ، إلى جانب وجود زين، صارَ مالِك حاضِرًا أكثر معي، وساعدَني بالولَد، وشاركَني جلسات عائليّة أحسَستُ خلالها بأنّنا بلَغنا توازنًا كنتُ أحلمُ به. بعد ذلك، أعطَيتُه جوابي بأنّني أريدُ ابنه بصورة دائمة، وهو نعَتَني بالـ "الزوجة الرائعة". رفعتُ عَينَيّ إلى السماء شاكِرة ربّي، وبكيتُ مِن كثرة امتناني.
لكنّ فترة هنائي لَم تكن طويلة، لأنّ مالِك عادَ يتغيّب كالسابق بسبب أعماله التي وضعَها جانبًا لمُساندتي في الفترة التجريبيّة، وانتهَت إجازتي في العمَل فاحترتُ بكيفيّة الاهتمام بزين. عندها عرَضَ عليّ زوجي فكرة ترك عمَلي، ولعِب دور الأمّ بصورة دائمة: "نحن لسنا بحاجة إلى راتبكِ يا حبيبتي، فأنا أجلِبُ للبيت ما يكفي وأكثر". لَم أقتنِع في البدء، لكن مع إصراره وحبّي للصغير الذي كان يكبر يومًا بعد يوم، قبِلتُ أن أتخلّى عن وظيفتي التي أحبَبتُها وهي مصدري الوحيد للاستقلاليّة. بعد ذلك، صرتُ مُتعلِّقة تمامًا مِن الناحيّة المادّيّة بزوجي، ويا لغلطتي الكبيرة.
أبقَيتُ التواصل بيني وبين زميلاتي السابقات في العمَل، لكن سرعان ما حسَدتُهنّ على الحياة التي تركتُها ورائي. فلَم أعُد بحاجة للنهوض في وقت مُعيّن وارتداء ملابسي ووضع المساحيق، وبتُّ كالأمّهات اللواتي كنتُ أنتقدهنّ ووعدتُ نفسي ألّا أشبِههنّ يومًا.
وجود زين في حياتي أعطاني الفرَح والسلوى، ولَم اشعُر بالملَل أو بتغيّب زوجي عن البيت. ولَم يخطر ببالي أبدًا أنّ بإمكانه أن تكون له علاقات مع أحَد غيري مِن النساء، مع أنّ ذلك أوّل ما يخطُر في بال الزوجة حين تتساءَل أين زوجها. ساذجة بالفعل!
ووقَعَ الخبَر عليّ كالصاعِقة يوم قال لي مالِك... إنّه تزوَّجَ!!!
كنتُ في المطبَخ أعُدُّ العشاء حين عادَ زوجي مِن العمَل. هو لاعَب ابنه قليلًا، ثمّ وافاني حيث أنا ليقولَ لي بنبرة صوت هادئة وطبيعيّة وكأنّه يروي لي عن نهاره في العمَل:
ـ لقد تزوّجتُ اليوم وأتَيتُ لآخذَ أغراضي مِن هنا.
ـ ماذا تقول؟!؟ إنّها دعابة سخيفة للغاية!
ـ ليست دعابة، أتَيتُ لآخذ أمتعتي وأرحَل.
ـ أنتَ تكذِب! هل هذا إختبار؟!؟
ـ سأتركُ لكِ زين طبعًا.
ـ أيّها السافِل!!! تتزوّج عليّ وتُريدُ ترك ابنكَ لي؟!؟
ـ إهدئي، إهدئي... لن يتغيّر عليكِ شيء... سوى أنّكِ لن ترَيني بعد اليوم... سأصرفُ عليكِ كالسابق وعلى الولَد، لا تخافي.
ـ وهل تظنّ أنّ ما يهمُّني الآن هو المال؟؟؟
ـ أجل، فأنتِ لا تملكين مدخولًا أخَر بعد أن تركتِ عملَكِ.
ـ أنتَ الذي أقنعتَني بذلك! مهلًا... هل... فعلتَ ذلك عن قصد؟؟؟
ـ هذا لا يهمّ لأنّني لَم أجبركِ على شيء، كلّ القرارات التي اتّخذتِها كانت قرارتكِ وحدكِ، لا تنسي ذلك.
ـ خُذ ابنكَ لزوجتكَ الجديدة!
ـ هي لا تُريدُه، بل تُريدُ أولادًا تُنجبهم بنفسها، فهي لا تزال شابّة.
ـ هكذا إذًا! لا أُريدُ ابنكَ!!!
ـ حسنًا، سأضعُه في مؤسّسة ليتربّى كاليتيم، وستكونين السبب.
ـ أنا؟!؟
ـ أجل أنتِ يا عزيزتي، فلقد صرتِ بمثابة أمّه، المسكين... سيشعُر بالتخلّي بعد أن ماتَت أمّه البيولوجيّة وتخلّصَت منه أمّه الثانية.
ـ أنتَ تخلّصتَ منه!
ـ الأمّ هي كلّ شيء بالنسبة للأولاد.
ـ قُل لي... منذ متى تنوي الزواج عليّ؟
ـ للحقيقة، منذ البدء. كنتُ فقط بحاجة لمُربيّة لإبني وكلّ المواصفات كانت تنطبِق عليكِ: إمرأة أربعينيّة تُريدُ ولَدًا بإلحاح، ولدَيها منزل، وكبرَت مع أمّ مُتسلِّطة، أيّ مُعتادة على إطاعة ما يُفرَض عليها. كنتِ مُطابقة لِما أبحَث عنه! إسمَعي، أنا أُقدِّم لكِ عرضًا لَم تحلُمي به يومًا، إبنًا وحياة مُريحة مِن دون عناء العمَل للحصول على خبزكِ، وسيبقى الولَد سنَدًا لكِ حين تشيخين. إعتبري الأمر وكأنّه عقد عمَل وليس أكثر.
ـ لكنّني أحبَبتُكَ يا مالِك؟!؟ أنتَ زوجي!
ـ وسأبقى زوجكِ، لكن فقط على الورق. سآخذُ أغراضي الآن، فعليّ العودة إلى عروستي الجميلة.
ـ خُذ ابنكَ معكَ!
بدأ زين بالبكاء لدى سماع شجارنا، فركضتُ أُعانِقه وأواسيه وأقولُ له إنّنا نلعَب فقط ولا حاجة للخوف. نظرتُ إلى مالِك باحتقار حين رأيتُه يبتسِم، وسمعتُه يقول لي: "أرأيتِ، أنتِ أمّ مُمتازة!".
غادَرَ مالِك البيت بعد حوالي الساعة مع حقائبه، وبعد أن قبَّلَ ابنه على جبينه وقالَ له إنّه مُسافِر لمدّة طويلة، وأوصاه بأن يكون ولَدًا مُطيعًا. بكيتُ طبعًا، ليس فقط مِن أجلي، بل مِن أجل زين لأنّ أباه سافِل وأنانيّ، وأنّه على الأرجَح لن يراه إلّا قليلًا أو إطلاقًا. وعندما خرَجَ مالِك مِن البيت، أدركتُ أنّ ما ينتظرُني لن يكون سهلًا.
ملأ الحزن قلبي وكان النهوض صباحًا صعبًا للغاية بعد أن أقضي الليل بالبكاء، لكن وجود زين أعطاني القوّة لأتغلّب على شعوري بالخذلان وبأنّني بالفعل ساذِجة، لأنّني لَم أرَ العلامات الحمراء التي كانت بغاية الوضوح. بقيَ مالِك على وعده لي بإرسال المال لي ولابنه ودفَعَ أقساط الحضانة التي دخلَها زين. هو لَم يُحاوِل رؤيته، وحصَلَ أن كلّمَه هاتفيًّا بضع مرّات، على الأقلّ في البدء. ثمّ بدأنا نعتاد عدَم وجود زوجي في حياتنا، وأخذَت الحياة مجراها، بعد أن أقنَعتُ نفسي بأنّني أرملة وأُربّي إبني لوحدي. أليس هذا ما يحصل للكثيرات؟
أردتُ أن أُعاوِد العمَل بعد أن صارَ زين في الحضانة لمُعظم النهار، إلّا أنّ مالِك منعَني مِن ذلك، ليُبقيني تحت سيطرته، وهدَّدَني بأخذ "ابني" منّي، لكنّني لَم أكن مُستعِدّة لأخضَع له بعد ذلك. لِذا إتّصلتُ بمُديري السابِق، وطلبتُ منه مُقابلة خاصّة شرحتُ له خلالها وضعي ورغبتي بالعمَل عن بُعد، فقد كنتُ ماهِرة بما قمتُ به في الشركة. تردَّدَ الرجُل لكنّني استطعتُ اقناعه قائلة: "إعتبِرني بمثابة مُستشارة مُتعاقِدة تُساعدكم على إنهاء الملفّات وتُسهِّل سَير العمَل. لن أتقاضى بدَل نَقل لأنّني سأعمَل مِن بيتي، ولا أُريدُ كامِل راتبي القديم، بل ثلاثة أرباعه فقط. أرأيتَ كَم مِن المال ستوفِّر مُقابِل أدائي المُمتاز وخبرتي؟".
جمعتُ المال مِمّا كان يُرسلِه لي مالِك لأشتري حاسوبًا جيّدًا وسريعًا، وبدأتُ بالعمَل سرّيًّا. وكنتُ أقولُ لزين إنّني ألعَب على الحاسوب كَي لا يفضَح أمري. ثمّ علِمتُ مِن مالِك أنّ صارَ له ولَدًا مِن زوجته الجديدة، لكنّ الأمر لَم يُغضِبني أو يحزِنني، لأنّ حياتي لَم تعُد تدورُ حوله، بل حول "إبني" وعمَلي وبيتي. صِرتُ أرى زميلاتي كالسابق في بعض الأماكن العامّة، وبدأَت الحياة تبدو جميلة مِن جديد.
اليوم صارَ زين مُراهقًا وسيمًا، وفهِمَ أنّ أباه ليس مُسافِرًا حقًّا، لكنّه لا يُبالي لأنّني موجودة معه وله. هو فهِمَ أيضًا أنّني لستُ أمّه وأنّ مالِك له زوجة أخرى وأولاد، وذلك أيضًا لَم يؤثِّر به لأنّني ربَّيتُه ليُصبح مُتوازِنًا وعاقِلًا ومُسلّحًا بكمّيّة حبّ جعلَت منه إنسانًا قويًّا. لَم أصنَع منه ضمانة لشيخوختي كما فعلَت أمّي بي، بل أحثُُّه دائمًا على الاستقلاليّة وتحديد ذاته مُنفصِلًا عنّي. فأنا أُعِدّه ليفتَح يومًا جناحَيه ويطير نحو مُستقبَل هو يختارُه... ليكون سعيدًا كما يُريد.

تعليقات
إرسال تعليق